ابن أبي العز الحنفي
65
شرح العقيدة الطحاوية ( ط الأوقاف السعودية )
وَأَجَابَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي الْفَضْلِ الْمُرْسِيُّ فِي ( رِيِّ الظَّمْآنِ ) ( 1 ) ، فَقَالَ : هَذَا كَلَامُ مَنْ لَا يَعْرِفُ لِسَانَ الْعَرَبِ ، فَإِنَّ ( إِلَهَ ) فِي مَوْضِعِ الْمُبْتَدَأ عَلَى قَوْلِ سِيبَوَيْهِ ، وَعِنْدَ غَيْرِهِ اسْمُ " لَا " ، وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ فَلَا بُدَّ مِنْ خَبَرٍ للْمُبْتَدَأ ، وَإِلَّا فَمَا قَالَهُ مِنَ الِاسْتِغْنَاءِ عَنِ الْإِضْمَارِ فَاسِدٌ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : إِذَا لَمْ يُضْمَرْ يَكُونُ نَفْيًا لِلْمَاهِيَّةِ - فَلَيْسَ بِشَيْءٍ ، لِأَنَّ نَفْيَ الْمَاهِيَّةِ هُوَ نَفْيُ الْوُجُودِ ، لَا تُتَصَوَّرُ الْمَاهِيَّةُ إِلَّا مَعَ الْوُجُودِ ، ولَا فَرْقَ بَيْنَ " لَا مَاهِيَّةَ " " لَا وُجُودَ " . وَهَذَا مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ ، خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ ، فَإِنَّهُمْ يُثْبِتُونَ مَاهِيَّةً عَارِيَةً عَنِ الْوُجُودِ ، و " إِلَّا اللَّهُ " - مَرْفُوعٌ ، بَدَلًا مِنْ " إِلَهَ " لَا يَكُونُ خَبَرًا لِ - " لَا " ، وَلَا لِلْمُبْتَدَأ . وَذَكَرَ الدَّلِيلَ عَلَى ذَلِكَ . وَلَيْسَ الْمُرَادُ هُنَا ذِكْرَ الْإِعْرَابِ ، بَلِ الْمُرَادُ دَفْعُ الْإِشْكَالِ الْوَارِدِ عَلَى النُّحَاةِ فِي ذَلِكَ ، وَبَيَانُ أَنَّهُ مِنْ جِهَةِ الْمُعْتَزِلَةِ . وَهُوَ فَاسِدٌ : فَإِنَّ قَوْلَهُمْ : " نَفْيَ الْوُجُودِ " لَيْسَ تَقْيِيدًا ، لِأَنَّ الْعَدَمَ لَيْسَ بِشَيْءٍ ، قَالَ تَعَالَى : { وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا } ( 2 ) . وَلَا يُقَالُ : لَيْسَ قَوْلُهُ : " غَيْرُهُ " كَقَوْلِهِ : " إِلَّا اللَّهُ " لِأَنَّ " غَيْرُ " مُعْرَبٌ بِإِعْرَابِ الِاسْمِ الْوَاقِعِ بَعْدَ " إِلَّا " فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ لِلْخَبَرِ فِيهِمَا وَاحِدًا . فَلِهَذَا ذَكَرْتُ هَذَا الْإِشْكَالَ وَجَوَابَهُ هُنَا .
--> ( 1 ) في الأصل المخطوط « رأي الظمآن » وهو خطأ . والمرسي هذا : هو شرف الدين محمد بن عبد الله بن محمد بن أبي الفضل المرسي الأندلسي ، « الأديب النحوي المفسر المحدث الفقيه » ، كما وصفه ياقوت . لقيه ياقوت بمصر سنة 624 ه - ، وأخبره أن مولده سنة 570 ه - ، وذكر كثيرًا من مؤلفاته ، منها : « تفسير القرآن ، سماه : ري الظمآن في تفسير القرآن ، كبير جدا ، قصد فيه ارتباط الآي بعضها ببعض » . انظر ترجمته في معجم الأدباء 7 : 16 - 18 . وتوفي شرف الدين هذا في طريق العريش سنة 655 ه - . وترجمه ابن كثير في التاريخ 13 : 197 ، وابن العماد في الشذرات 5 : 269 . وهو الذي سمع منه رضي الدين الطبري « صحيح ابن حبان » ، كما أثبتنا ذلك في مقدمة « صحيح ابن حبان » ص : 27 . ومما يستغرب من شأنه ، ما ذكره ياقوت : أنه « كانت له كتب في البلاد التي يتنقل فيها ، بحيث لا يستصحب كتبا في سفره ، اكتفاء بما له من الكتب في البلد الذي يسافر إليه » . رحمه الله . ( 2 ) سورة مَرْيَمَ آية : 9 .